إظهار الرسائل ذات التسميات في. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات في. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 7 مايو 2014
الصيام والصوم أسراره وفوائده والحكمة في تشريعه بالتفصيل وبالصوت والصورة
الصوم متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان؛ إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) روه أحمد و الترمذي و غيرهما و صححه الألباني .
وقد قال الله تعالى : (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر/10]، والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَذَرُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) جزء من الحديث السابق ، و اللفظ لأحمد.
وقال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ )) متفق عليه و اللفظ للبخاري .
وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه، قال صلى الله عليه وسلم : (( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ )) متفق عليه .
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ )) متفق عليه و اللفظ لمسلم .
وقال وكيع في قوله تعالى : (( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ )) [الحاقة/24]، هي أيام الصيام إذ تركوا فيها الأكل والشرب .
وقيل في قوله تعالى : (( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [السجدة/17]، قيل:كان عملهم الصيام؛ لأنه قال: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر/10]، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً، فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان له، ومشرفا بالنسبة إليه، وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه، والأرض كلها له لمعنيين :
أحدهما: أن الصوم كف وترك، وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرّد.
والثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ )) متفق عليه و اللفظ للبخاري.
فلما كان الصوم على الخصوص قمعاً للشيطان، وسداً لمسالكه وتضييقاً لمجاريه؛ استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل، ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه، وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال الله تعالى: (( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) [محمد/7]، فالبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية من الله عز وجل، ولذلك قال تعالى : (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )) [العنكبوت/69]، وقال تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) [الرعد/11]، وإنما التغير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه .
فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة، وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة، ونبين ذلك بثلاثة فصول :
>
الفصل الأول
في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده
أما الواجبات الظاهرة فستة:
الأول: مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يوما من شعبان ونعني بالرؤية العلم ويحصل ذلك بقول عدل واحد. ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة.
الثاني : النية ومحلها القلب.
الثالث : الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم.
الرابع : الإمساك عن الجماع.
الخامس : الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا .
السادس : الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسد صومه.
وأما السنن: تأخير السحور، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة، والجود في شهر رمضان، ومدارسة القرآن والاعتكاف في المسجد لاسيما في العشر الأخير فهو عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ودأب وأدأب أهله؛ إذ فيها ليلة القدر، والأغلب أنها في أوتارها، وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع وكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان.
الفصل الثاني
في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيه
اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع.
أما في السنة : بعد أيام رمضان فيوم عرفة ويوم عاشوراء وهي أوقات فاضلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه في رمضان ، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُه أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ )) متفق عليه.
وفي الخبر : (( وأفضلُ الصِّيام بعد شَهْرِ رَمضانَ: صِيام شَهرِ الله المُحَرَّم )) رواه مسلم. لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته .
وفي الخبر: (( إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَن الصَّوْمِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ )) رواه أحمد. ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما .
وعند البخاري من حديث ابن عباس (( مَا مِنْ أيَّامٍ ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام )) يعني أيام العشر . قالوا : يَا رسولَ اللهِ ، وَلاَ الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ ؟ قَالَ : (( وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ )).
وأما ما يتكرر في الشهر: فأول الشهر، وأوسطه، وآخره. ووسطه الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وأما في الأسبوع: فالاثنين والخميس، فهذه هي الأيام الفاضلة فيستحب فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات.
درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها. وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم.
ومن ذلك منازلته صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول إني أطيق أكثر من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم (( فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ )) متفق عليه.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان .
ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه وهو أن يصوم ويفطر يومين وإذا صام ثلاثة من أول الشهر وثلاثة من الوسط وثلاثة من الآخر فهو ثلث وواقع في الأوقات الفاضلة .
وإن صام الاثنين والخميس فهو قريب من الثلث وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل.
والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضي حاله دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الفطر، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم.
وإذا فهم المعنى وتحقق حدُّه في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يُخَف عليه صلاح قلبه وذلك لا يوجب ترتيبا مستمراً، ولذلك روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم.
وفي البخاري من حديث أنس (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ )).
وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات، وقد كره العلماء أن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم العيد وأيام التشريق وذكروا أن ذلك يقسّي القلب، ويولِّد رديء العادات، ويفتح أبواب الشهوات. وهو كذلك في حق أكثر الخلق لاسيما من يأكل في اليوم والليل مرتين.
والحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، على جميع نعمه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرم
اقرأ المزيد
الثلاثاء، 29 أبريل 2014
السواك في السنة النبوية
السواك في أقوال أهل العلم، وعن ما جاء فيه من فضلٍ وسنة، وأوقاتٍ وتأكيد ونهي، إلى غير تلك من المسائل التي سوف تعرض بإذن الله، ومدار هذا الدرس على ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة}.
والحديث الثاني: حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أكثرت عليكم في السواك، أكثرت عليكم في السواك}.
والحديث الثالث: حديث حذيفة قال: {كان النبي إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك}.
من أفضل السنن التي أتى بها صلى الله عليه وسلم سنة السواك، ولا يحافظ على السواك إلا من يحافظ على سنته صلى الله عليه وسلم، وهو من أحسن ما يتجمل به الناس، ولذلك كانت العرب في جاهليتها أو بعضهم يستاك ويعدونه من أشرف الخصال، وأوصت امرأة جاهلية ابنتها فقالت: عليكِ بالماء البارد والسواك فإنه هو جمال المرأة.
والسواك أعجب وأجمل وأفيد من الطيب، ومن أنواع العطور، ومن جمال الملابس، ومن كل ما تجمل به الرجل أو المرأة، قال صلى الله عليه وسلم: {السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب} رواه الترمذي وابن خزيمة والإمام أحمد وهو حديث صحيح. مطهرة: مصدر أي أنه يطهر به الفم من الأذى والقذر والروائح كما سوف يأتي.
ويقول صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} وفي لفظ {عند كل وضوء} وذلك لفضله ولشدة ما ورد فيه.
وفي حديثٍ عند البيهقي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {صلاة بسواك خيرٌ من سبعين صلاة بلا سواك} وهذا الحديث ضعيف ولو أن ابن القيم يقول: لا مانع أن يكون هذا الحديث صحيحاً، وأن العبد إذا تسوك وأتى الله بروائح طيبة، وأزال الأذى من فمه يضاعف الله له الأجر والمثوبة، هكذا قال، ولكن الأحاديث لا تصحح بالاستقراء أو بالاستنباط ولا تصحح بالسياقات، ولا بالقرائن وإنما تصحح بالسند، والرجال، وبما قيل فيها على علم الدراية والرواية، فهذا الحديث ضعيف كما سوف يمر معنا.
المسألة الثانية: فضل السواك عند الوضوء
ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء} هذا لفظ في صحيح البخاري، وبعضهم علق هذا اللفظ، ولكنه صح من كلامه صلى الله عليه وسلم أن السواك مع كل وضوء وارد ومسنون ومستحب، فمن السنة للمؤمن أن يتسوك عند كل وضوء لأنه من الأمور التي تستحب عند الوضوء، لأن الوضوء إزالة نجسٍ وحدثٍ وقذر، وكذلك السواك، وعند أحمد في مسنده عن علي رضي الله عنه: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض ثم تسوك بإصبعه} أي: أدخلها في فمه يتسوك بها صلى الله عليه وسلم، وهذا سوف يأتي في مسألة التسوك بالإصبع.
المسألة الثالثة: فضل السواك عند الصلاة
أمر به صلى الله عليه وسلم، وذهب إسحاق بن راهويه وبعض أهل الظاهر، إلى أن السواك واجبٌ عند كل صلاة، والصحيح عند الجمهور أن السواك سنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صرف الأمر من الوجوب إلى السنية بقوله: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} فاقتضت المشقة أن ينفي صلى الله عليه وسلم الأمر، فلوجود المشقة انتفى الأمر وانتفى الوجوب عن الأمة بذلك، وهذا من تسهيله وتيسيره للأمة.
المسألة الرابعة: السواك عند دخول البيت
وأما السواك عند دخول البيت، فقد قال شريح بن هانئ: {سألت عائشة رضي الله عنها ماذا كان يبدأ به صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ -ما هي السنة التي يبدأ بها صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: كان يبدأ صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بالسواك} لأن السواك طهارة، ولأنه سوف يتحدث مع أهله، ولأنه عبادةٌ وسنة، لهذا كان صلى الله عليه وسلم يتسوك حينما يدخل بيته.
وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.
المسألة الخامسة: استحباب السواك عند القيام من النوم
عن حذيفة في الصحيح: {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك} ولكن في مسند أحمد {من الليل والنهار} وحديث عائشة: {ما استيقظ صلى الله عليه وسلم في ليلٍ أو نهار إلا تسوك عليه الصلاة والسلام} والسبب أن النائم تتغير رائحة فمه بالمتغيرات، فكان من الجميل والمستحب عند المسلم أن يتعاهد فمه ليزيل الروائح التي علقت به من آثار الطعام وكذلك بعد المنام، فكان عليه الصلاة والسلام أنظف الناس، وأجملهم وأحسنهم، فكان إذا استيقظ بدأ بسواكه، بل العجيب في ذلك أنه كان يوضع له صلى الله عليه وسلم سواكه عند رأسه، وماء الوضوء فإذا استيقظ بدأ بالسواك ثم توضأ، ولا عليك أن تتوضأ ثم تستاك، أو تستاك ثم تتوضاً؛ والأمر في ذلك فيه سعة إن شاء الله.
المسألة السادسة: السواك بين الناس
بعض أهل العلم يرى أن السواك من باب إزالة الأذى، فهل يجمل بالمسلم أنه إذا جلس بين الناس أن يتسوك في المجلس؟ أو جلس في مكتبه؟ أو جلس في الفصل مع زملائه؟ أو جلس في المسجد مع الناس؟ أو في محفل عام أن يخرج السواك ويتسوك؟ هل هذا يتعارض مع الآداب العامة؟ لأن هذا فيه إزالة قذر، فهل في الأمر شي؟ الصحيح أنه من السنن المستحبة ومن أشرف الخصال، وأنه لا شيء فيه، فيجوز للمسلم أن يتسوك أمام الناس، وفي مجامعهم، وإنما قلت هذا الكلام لأن بعض أهل العلم يقولون هذا، حتى إذا رأوا الرجل يتسوك وهم جلوس يقولون: ماذا حدث؟ تتسوك أمامنا! ويقول أحدهم لبعضهم وهو يدرسهم في الفصل: أدخل هذا السواك وإذا ذهبت إلى بيتك فتسوك. وهذا مخالفٌ لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يتسوك بين أصحابه، قال أبو موسى في الصحيحين: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع الناس وسواكه على طرف لسانه وهو يتهوع يقول: {أع أع} عليه الصلاة والسلام، وقد قلصت شفتاه} والسواك على شفتيه قد قلصت أي أنها ضمرت من السواك أو أن السواك دخل على الشفة، فجعلها تتقلص بسبب أن سواكه صلى الله عليه وسلم على طرف لسانه، وإنما يقول: {أع أع} يتهوع لأنه كان صلى الله عليه وسلم يسوك لسانه طولاً وعرضاً فاقتضى ذلك أن يتهوع عليه الصلاة والسلام، فدل على أن السواك من أشرف الخصال حتى لو كان بين الناس، قال عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، يوصي أبناءه الخلفاء الملوك، قال: إذا جلستم مع الناس فتسوكوا عرضاً، ولم يقل طولاً. يقول أهل العلم أنه هكذا وأنه لا يتسوك طولاً لأنه ليس لائقاً في العادة، وسوف تأتي هذه المسألة وهي هل يتسوك طولاً أو عرضاً، وهل يتسوك باليمين أم باليسار؟
المسألة السابعة : الأراك خير سواك
لا نرى إلا أنه السواك الذي يقدم على كل نبتٍ من نبات الأرض، ومدح شعراؤهم من يتسوك بالأراك، وعدوه من أعظم الخصال، وفيه ميز، وقد أثبت أهل الطب في هذا العصر أن الأراك من أعظم المواد في قتل الجراثيم وفي إزالة أمراض الفم، وإزالة القذى والأذى والروائح المنتنة منه، بل هو بلسمٌ شافٍ، وألف بعضهم في ذلك كتباً، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح {من أخذ شيئاً من غير حقه طُوِقَهُ من سبع أرضين، قالوا: يا رسول الله، ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك} قال بعض أهل العلم: أي مسواك، وفي بعض الآثار أنه كان ينتقي له صلى الله عليه وسلم من الأراك أسوك أو سوك على وزن كتب، قال ابن قتيبة: تُنطق سوك على وزن كتب.
المسألة الثامنة: غسل السواك
هذا نقوله من باب التلطيف، تقول عائشة رضي الله عنها: {كان صلى الله عليه وسلم يناولني سواكه فأغسله} فاقتضى أن من السنة أنه كلما مر على السواك وقت طويل على استخدامه فللعبد أن يغسله وينظفه حتى يعود نظيفاً إلى فمه، لأن بعض الناس يظن أنه إذا تسوك فإن السواك لا يأتيه شيء، يعني أنه لا يتأثر فيربطه بعمامته، ويبقى مدة طويلة جداً وهو يقول: السواك لا يتأثر والحمد لله، حتى يحمر ويبيض ويسود، حتى تنظر إليه وكأنه ليس بشجر ولا بحديدٍ ولا بنحاس، فاقتضى أن يغسل بالماء وبالنسبة للفرشاة أو ما يستعمل بدل السواك فهذه ليست واردة ولا ينصح بها، لأنها تؤثر على اللثة ولا تزيل جميع أمراض الأسنان كما قال أهل الطب، ولكن السواك أشرف وأرفع وأنبل وأفيد وأحسن، لا لأنه سنة فحسب، لكن للفوائد التي من ورائه.
فوائد السواك
عدها ابن القيم حتى أربى بها حول الثلاثين، وابن حجر يوافق على ثمانية عشرة، وأما غيرها ففيها كلام، فمن فوائده:
يزيل رائحة الفم، ويطرد النوم، وهذا مجربٌ بالاستقراء في الغالب، فمن غلبه النوم أو أراد أن يذاكر بعد صلاة الفجر فعليه أن يستخدم السواك كثيراً، فإنه ينشط ويطرد النوم؛ ولذلك القائم ليصلي في الليل عليه بالسواك.
وينهي البلغم، وهذا مجرب، لذلك أكثر الناس بلغماً الذي لا يتعهد السواك أي لا يستخدم السواك كثيراً.
ثم يعين على إخراج الحروف، ولذلك كان من السنن لمن يتلو القرآن أن يتسوك قبل أن يتلو القرآن ليعين على مخارج الحروف ويخرجها بقوةٍ وبرشد، كذلك يرضي الرب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للحديث المتقدم عند ابن خزيمة والترمذي وأحمد {مطهرة للفم مرضاة للرب}.
أيضاً يبيض الأسنان وهذا معروف لا يستشهد ولا يستدل عليه.
كذلك ذكر ابن القيم وكثير من الأطباء أنه يساعد على الهضم، فمن تعشى فأكثر وأغلقت الصيدليات أبوابها فليقم وليأخذ السواك وليدر في بيته وليستعن بالله وليكثر من ذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ليهضم طعامه، فهذا مجرب.
وتضاعف به الصلاة، وقد مر معنا الحديث الضعيف: {صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بلا سواك} رواه البيهقي وضعفه.
ويعين على التلاوة والذكر وهذا أمر معروف فإن الذاكر يستعين بالسواك على ذكر الله عز وجل. فهذه بعض فوائد السواك وإلا فهي كثيرة جداً ومن أراد التوسع فليرجع إلى كلام ابن القيم وابن حجر.
وأخير
- احرص على استخدامه باستمرار وخاصة بعد الوجبات.
- في كل مرة احرص على تنظيفه وترطيبه واستخدام الطازج منه.
- قم بتنظيف جميع أسطح الأسنان بطريقة منتظمة دون الضغط بقوة لتفادي نحت طبقة المينا.
- احرص على استخدامه كمكمل لفرشاة الأسنان قدر الإمكان.
وأخيرا فإنني أتمنى أن يلقى السواك الاهتمام اللازم من قبل الجهات الصحية المختلفة، وتوعية الناس وحثهم على استخدامه كبديل لفرشاة الأسنان عند عدم توفرها، وعند عدم القدرة على شرائها.
اقرأ المزيد
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
.jpg)



