إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله أما بعد
السحر أنواع كثيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر
1- سحر الكلدانيين وأهل بابل وغيرهم،
وهؤلاء كانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويعتقدون أنها المدبرة للعالم وأن حوادث العالم كلها من أفعالها، ومنها يصدر كل مظهر خير وشر، وقد بعث الله إليهم إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم ونظراً لاعتقادهم أنها مدبرة من دون الله فهم يزعمون أن لها ادراكات روحانية فإذا قوبلت ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور مع إقدامه على أفعال خاصة، وألفاظ يخاطب بها الكواكب كانت روحانية الفلك مطيعة له متى ما أراد شيئاً فعلته له على حد زعمهم. والحق أن الروحانيات التي قضت حوائجهم إنما هي الشياطين أعاذنا الله منها ليستمروا في باطلهم فيضلوا ويضلوا[15]
2- ومنه نوع يسمى بالطلاسم:
وهو عبارة عن نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب - على زعم أهلها - في جسم من المعادن أو غيرها تحدث به خاصية ربطت في مجاري العادات، ولا بد مع ذلك من نفس صالحة لهذه الأعمال فإن بعض النفوس لا تجري الخاصية المذكورة على يده[16]
وهذا النوع من السحر يحصل في الغالب إما من محتال ذكي مع مغفل فنتيجة تصديقه يحصل الشعور النفسي بتأثيره. وأما من صاحب علاقة بالشياطين، وإنما يستعمل هذا الطلسم لإخفاء ضلاله وكفره وكلاهما محرم. فالأول كذب وغش، والثاني شرك ظاهر من فاعله[17]. وعليه فليس للكواكب فيه أي أثر.
ومنه:النظر في حركات الأفلاك ودورانها وطلوعها وغروبها واقترابها وافتراقها معتقدين أن لكل نجم منها تأثير حال انفراده كما أن له تأثيراً حال اجتماعه بغيره، على الحوادث الأرضية من غلاء الأسعار ورخصها ووقوع الحوادث وهبوب الرياح ونحو ذلك وقد ينسبون إليه ذلك مطلقاً[18]
ومنه النظر في منازل القمر الثمانية والعشرين معتقدين التأثير، في اقتران القمر بكل منها ومفارقته وان في تلك المقارنة أو المفارقة سعوداً أو نحساً أوتأليفا أو تفريقاً وغير ذلك[19].
ومنه ما يفعله من يستخدمالأرقام لحروف أبجد هوز.... المسمى بعلم الحرف. وهو أن يكتب حروف أبجد هوز... الخ. ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها ويجمع جمعاً معروفاً عنده ويطرح طرحاً خاصاً ويثبت إثباتاً خاصاً، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان وكثير منهم يفرق بين المرء وزوجته بذلك بدعوى أنهم إن جمعهم بيت لا يعيش أحدهم، وقد يتحكم بذلك في الغيب فيدعي أن هذا يولد له وهذا لا. وهذا يكون غنياً وهذا يكون فقيرا ونحو ذلك. كأنه هو الكاتب ذلك للجنين في بطن أمه لا والله لا يدريه الملك الذي يكتب حتى يسأل ربه فكيف بهذا الكاذب المفترى ولا شك في تحريم هذا العمل وكذب مدعيه وأن أحكامه رجم بالغيب[20].
النوع الثالث:
الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن.وهم على قسمين مؤمنين - وكفار، وهم الشياطين. أما المؤمنون فمن المعلوم أنهم لا يعملون فعل محرم أو يعينون عليه. إذا فالاستعانة إنما هي بالشياطين.
واتصال النفوس الناطقة بها سهل، لما بينهما من المشابهة والقرب. وهذا الاتصال يحصل بشي من الرقى والدخن والتجريد[21].
قال الرازي: "إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن"[22].
وعندما يتحقق الاتصال تحصل الاستعانة ثم الإعانة لكن ذلك لا يكون دون الشرك بالله تعالى.
وأصحاب هذا النوع قد يخفون استعانتهم بالشياطين بما يزعمونه من أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمروا بتعظيمها ومتى أقسم عليهم بها أطاعواوفعلوا ما طلب منهم ولا يخفى بطلان هذا الزعم، وأن ما يحصل من تعظيم وقسم إنما هو متوجه إلى الشياطين[23].
النوع الرابع:
العقد والنفث فيه قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}[24]
والنفاثات في العقد:هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن[25] في كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر وذلك إذا كان المسحور غير مباشر، أما إذا كان مباشراً فينفثن عليه مباشرة. وذلك كله بعد أن تكيف نفس الساحر بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري. ويطلق البعض على هذا النوع الرقى لشبهها بها في الصورة ومن هذا النوع سحر لبيد بن ألاعصم اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم والشرك في هذا النوع ظاهر ذلك أنه استعانة بالأرواح الخبيثة
وهم الشياطين[26].
النوع الخامس:
الهيمياء بكسر الهاء على وزن كبرياء، وهو ما تركب من خواص سماوية تضاف لأحوال الأفلاك يحصل لمن عمل له شيء من ذلك أمور معلومة عند السحرة، وقد يبقى له إدراك وقد يسلبه بالكلية فتصير أحواله كحالات النائم من غير فرق حتى يتخيل مرور السنين الكثيرة في الزمن اليسير وحدوث الأولاد وإنقضاء الأعمار وغير ذلك في ساعة ونحوها من الزمن اليسير، ومن لم يعلم له ذلك لا يجد شيئا مما ذكر وكل ما يتصوره المسحور في هذه الحالة من الأوهام التي لا حقيقة لها[27].
النوع السادس:
السيمياء: بكسر السين وهو عبارة عما تركب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة توجب إدارك الحواس الخمسة أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخييل صرف[28].
وهذا النوع تخييلي. يأتي بأحد أمرين إما بتأثير عقاقير بخواصها. وهذا ليس سحراً في الشرع. وإما بكلمات خاصة، وهذا لا يحصل بمجرد الكلام وإنما هو بمعين من الشياطين يكون منه التخييل على الحواس بعد ذلك الكلام الذي يستدعي به الساحر ذلك المعين وهذا الكلام تذلل للشياطين يعاوضون عنه الساحر بما يريد من الخداع. ولا شك في حرمته لكونه شركاً[29].
القسم الثاني: ماسحر في اللغة.وهو"السحر المجازي" ومداره على قوة البيان وخفة اليد، والحيل والاكتشافات التي سبق بها الساحر عصره وإنما أدخل هذا القسم في فن السحر للطافة مأخذه، ذلك أن السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه[30]. وهو أنواع منها:
الأول: الأخذ بالأبصار والشعبذة، وهذا النوع مبني على مقدمات. أحدها: أن أغلاط البصر كثيرة ومن أمثلة ذلك أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً ومثلها السيارة ونحوها. وذلك دليل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً.
ثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوسات في زمان له مقدار ما، أما إذا أدركت المحسوس في زمان قصير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فانه يختلط البعض بالبعض.
وثالثها: أن النفس إذاكانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة. مثاله:أن الإنسان عند دخوله على السلطان قديلقاه إنسان آخر ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه، إذ إن قلبه مشغول بشيء آخر. ثم بعد أن فصّل الرازي في تلك المقدمات قال: إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر، وذلك أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئا آخر بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين.
أحدهما:اشتغالهم بالأمر الأول والثاني:سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غيرما انتظروه فيتعجبون منه جداً ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله[31].
وهذا النوع - كما نرى - تخييل لا حقيقة له وهو محرم، لما يتضمنه من الكذب والخداع وقد قال البعض[32] بأن سحر سحرة فرعون من هذا النوع والأظهر والله أعلم أنه ليس من هذا النوع ذلك أن سحرة فرعون لم يكن منهم حركات سوى إلقاء الحبال والعصي ثم تراءى للناس أنها متحركة فكان سحرهم بفعل آخر أثر على الأعين، وهو من نوع الاستخدامات[33].
الثاني: الاستعانة بخواص الأدوية والأطعمة والملابس ونحوها. وهو ضرب من الاحتيال يقوم به بعض من يدعي السحر.
فمن ذلك أن يدعي القدرة على فعل أمور خارقة، فيستخدم خواص بعض المواد التي خلقها الله مما عرف خاصيته ولم يعلمه بقية الناس.
ومن أمثلة ذلك دخول بعض هؤلاء النار بعد أن يدهنوا جلودهم بمواد لها خاصية مقاومة النار، أو يلبس ثياب لا تحرقها النار، فيظن الرائي الجاهل أنه فعل أمراً خارقاً، ولو علم بما فعل لزال العجب، كذلك من هذا النوع أن يجعل في طعام من يريد إيذاءه بعض الأدوية أو الأطعمة المبلدة المزيلة للعقل أو الدخن المسكرة،فإذا تناولها الضحية تبلد عقله وقلت فطنته فيتصرف تصرفاً غيرسليم فيقول الناس إنه مسحور، وقد يستعين بهذه الأدوية ونحوها في مسك الحيات، ثم يزعم أمام جهلة الناس أنها أحوال له[34].
الثالث: السعي بالنميمة وإغراء بعض الناس ببعض من وجوه لطيفة خفية وهذا شائع بين الناس[35] وخصوصاً ضعاف الإيمان منهم.
قال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس"[36]
وإنما أطلق على النميمة للإفساد سحراً، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة.
وقال ابن كثير: "النميمة على قسمين تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إذا كانت على وجه الإصلاح بين الناس... أو على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة فهذا أمر مطلوب كما فعل نعيم بن مسعود"[37].
الرابع: تعليق القلب:
وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف اسم الله الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل ما يشاء[38].
قال الرازي: "وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار"[39].
الأدلة على أن للسحر حقيقة وتأثيراً
1- قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } [ البقرة : 102 ]
فذكر الله تعالى أنّ الشياطين تعلّم الناس السحر ، وأنَّ الناس يتعلَّمونه ، وأنَّ من السحر ما يفرّق بين المرء و زوجه ، وهذا التفريق ضرر بيّنٌ ، وهذا لا يكون فيما لا حقيقة له .
2- قال تعالى : { قال ألقوا فلمّا ألقوا سَحَرُوا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم } [ الأعرف : 116] .
3- قال تعالى : { قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) } [ سورة الفلق ] و النفاثات في العقد : السواحر ؛ نقل ذلك ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن السلف ؛ مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والضحّاك . ونقل القرطبي رحمه الله في تفسيره (2/46) اتفاق المفسرين على أنَّ سبب نزول سورة الفلق ما كان من سحر لبيد بن الأعصم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم صحيح مخرج في الصحيحين و غيرهما من كتب السنة ، عن عائشة رضي الله عنها .
حكم السحر في الكتاب و السنة
قوله تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } [ البقرة : 102 ]
فدلّت الآية على أن تعلّم السحر وتعليمه كفر ، وهذا في السحر الذي مردّه إلى عبادة الشياطين أو الكواكب ، أو كان فيه ما هو كفر يقتضي الكفر ، أما ما كان من قبيل الشعوذة ، و الدجل ، وما يسمى بالسحر المجازي ، وخفة اليد فهو حرام بالاتفاق ، وليس كفراً ؛ لما فيه من إفساد لعقائد الناس ، وإضرار بالمجتمع ، ودلّت الآية على أنّه لا نفع فيه ، وأنّ الذي يشتريه لا خلاق له في الآخرة .
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم [7/292] : (عمل السحر حرام ، وهو من الكبائر بالإجماع ، وقد عدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ، وقد يكون كفراًً ، وقد لا يكون كفراً ، بل معصيته كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كَفَرَ ، وإلا فلا ، وأما تعلمه وتعليمه فحرام ، فإن تضمَّن ما يقتضي الكفر كفر ، وإلا فلا ) ا.هـ
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا : يا رسول الله ! وما هنَّ ؟ قال : ( الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) [ رواه البخاري (2776) ومسلم (89) عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
قال ابن عثيمين رحمه الله : ( الموبيقات : المهلكات ... وظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنّه لا فرق بين أن يكون ذلك بواسطة الشياطين ، أو بواسطة الأدوية و العقاقير ؛ لأنه إن كان بواسطة الشياطين فالذي لا يأتي إلا بالإشراك بهم ؛ فهو داخل في الشرك بالله . و إن كان دون ذلك ؛ فهو – أيضاً – جرم عظيم ؛ لأن السحر من أعظم ما يكون في الجناية على بني آدم ، فهو يفسد على المسحور أمر دينه ودنياه ، ويقلقه فيصبح كالبهائم ، بل أسوأ من ذلك ؛ لأن البهيمة خلقت هكذا على طبيعتها ، أما الآدمي فإنه صرف عن طبيعته وفطرته لحقه من الضيق والقلق ما لا يعلمه إلا رب العباد ، ولهذا كان السحر يلي الشرك بالله تعالى ) ا.هـ
علاج السحر في الكتاب والسنة الصحيحة
يلخّص ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (4/114-115) هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج السحر بقوله :
( قد روي عنه فيه نوعان أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك ، فدل عليه ، فاستخرجه من بئر ، فكان في مشط ومشاطة ، وجف طلعة ذكر ، فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال . فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب ، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ .
والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر ؛ فإنَّ للسحر تأثيراً في الطبيعة ، وهيجان أخلاطها ، وتشويش مزاجها ، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جداً )
وقال أيضاً في الزاد (4/116-117) :
( ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية ، بل هي أدويته النافعة بالذات ، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها ، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة ، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه ، فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له ، فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله مغموراً بذكره ، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوُّذات ورد لا يُخِلُّ به ، يطابق فيه قلبه لسانه ، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه . وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة ، والنفوس الشهوانية ، التي هي معلقة بالسفليات ، ولهذا فإنَّ غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجُهَّال وأهل البوادي ، ومن ضعف حظه من الدين ، والتوكل و التوحيد ، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية ، و الدعوات و التعوّذات النبوية ... والمسحور هو الذي يعين على نفسه ، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء كثير الالتفات إليه ، فيُتسلَّط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات ، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلُّطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية ، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها ، فتجدها فارغة لا عدة معها ، وفيها ميل إلى ما يناسبها ، فتتسلط عليها ، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره ، والله أعلم ) .
الرقية الشرعية
وهي كلُّ رقية توفَّرت فيها الشروط التالية:
أ. أن تكون بكلام الله ـ تعالى ـ، أو بأسمائه وصفاته، أو بما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ب. أن تكون باللسان العربي، أو بما يُعرف معناه من غيره.
ج. أن لا يعتقد أنَّ الرقية تؤثر بذاتها، بل بإذن الله ـ تعالى ـ، وأنَّ الرقية سبب من الأسباب، ونفع الأسباب بإذن الله، وقد تنفع الرقية وقد لا تنفع بإذن الله ـ تعالى ـ وهذا الاعتقاد لابد وان يكون من الراقي والْمُرْقَى.
حاجة المسلم للرقية؛ لتعويذ نفسه، وأهل بيته، وإخوانه المؤمنين، من شر الشيطان الرجيم، وهمزه ونفثه ونفخه، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ.
- واختلاط المشروع من الرقية بالممنوع منها في هذه الأيام، كالرقية البدعية، والرقية الشركية، والرقى التي تصاحبها معاصٍ من الراقي، أو المرقي.
ثبوت الرقية بالقرآن، وخصوصاً فاتحة الكتاب، والمعوِّذات، والدعاء المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والرقية بكلام الله، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - هي أنفع الرقى. وبوّب البخاري : في صحيحه (32) باب: الرُّقى بالقرآن والمعوّذات.
قال الحافظ ابن حجر: " هُوَ مِنْ عَطْف الْخَاصّ عَلَى الْعَامّ ، لأنَّ الْمُرَاد بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَة الْفَلَق وَالنَّاس وَالْإِخْلَاص ... وَهَذَا لا يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ التَّعَوُّذ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ ، بَلْ يَدُلّ عَلَى الأوْلَوِيَّة ، وَلاسِيَّمَا مَعَ ثُبُوت التَّعَوُّذ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا اِجْتَزَأَ بِهِمَا لِمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ جَوَامِع الاسْتِعَاذَة مِنْ كُلّ مَكْرُوه جُمْلَة وَتَفْصِيلاً" ا.هـ فتح الباري(10/275) تحت حديث(5735).
وقال النووي ::" وَإِنَّمَا رَقَى بِالْمُعَوِّذَاتِ لِأَنَّهُنَّ جَامِعَات لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلّ الْمَكْرُوهَات جُمْلَة وَتَفْصِيلًا ، فَفِيهَا الِاسْتِعَاذَة مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ ، فَيَدْخُل فِيهِ كُلّ شَيْء ، وَمِنْ شَرّ النَّفَّاثَات فِي الْعُقَد ، وَمِنْ شَرّ السَّوَاحِر ، وَمِنْ شَرّ الْحَاسِدِينَ ، وَمِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس" ا.هـ "شرح صحيح مسلم " (7/297) تحت حديث(2192).
وقال ابن القيِّم :: " فالقرآنُ هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يُؤَهل ولا يُوفّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه، لمن رزقه فهماً في كتابه ". زاد المعاد (4/318).
ويقول : أيضاً بعد أن ذكر شيئاً من المعاني مما اشتملت عليه سورة الفاتحة:"... وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ الْأَدْوَاءِ، وَيُرْقَى بِهَا اللّدِيغُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا تَضَمّنَتْهُ الْفَاتِحَةُ مِنْ إخْلَاصِ الْعُبُودِيّةِ وَالثّنَاءِ عَلَى اللّهِ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ كُلّهِ إلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ، وَسُؤَالِهِ مَجَامِعَ النّعَمِ كُلّهَا؛ وَهِيَ الْهِدَايَةُ الّتِي تَجْلِبُ النّعَمَ، وَتَدْفَعُ النّقَمَ، مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ الشّافِيَةِ الْكَافِيَةِ "
و صلى الله على محمد و على آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق