إظهار الرسائل ذات التسميات ب. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات ب. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 9 مايو 2014
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وماله من الآثار التي تعود على من قام به من الأفراد والمجتمعات .
بالرغم من اهتمام الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحثه عليه ، إلا أننا نجد كثير من الناس انصرفوا عنه .
فما هو المعروف وما هو المنكر؟
المعروف لغة :
" : كالعُرْف. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً، أَي مُصَاحَبًا مَعْرُوفًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: المَعْرُوف هُنَا مَا يُستحسن مِنَ الأَفعال ، والمَعْرُوف: ضدُّ المُنْكَر. والعُرْفُ: ضِدُّ النُّكْر. يُقَالُ: أَوْلاه عُرفاً أَي مَعْروفاً. والمَعْرُوف والعَارِفَةُ: خِلَافُ النُّكر. والعُرْفُ والمَعْرُوف: الجُود، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَا تبْذُلُه وتُسْديه "
واصطلاحاً :
هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه.
المنكر لغة :
النُّكْرُ والنَّكْراءُ: الدَّهاءُ والفِطنة. وَرَجُلٌ نَكِرٌ ونَكُرٌ و نُكُرٌ ومُنْكَرٌ مِنْ قَوْمٍ مَناكِير: دَاهٍ فَطِنٌ ، والإِنْكارُ: الجُحُودُ، والنَّكِرَةُ إِنكارك الشَّيْءَ، وَهُوَ نَقِيضُ الْمَعْرِفَةِ. والنَّكِرَةُ: خِلَافُ الْمَعْرِفَةِ. ونَكِرَ الأَمرَ نَكِيراً وأَنْكَرَه إِنْكاراً ونُكْراً: جَهِلَهُ؛ والمُنْكَرُ مِنَ الأَمر: خِلَافُ الْمَعْرُوفِ
واصطلاحاً :
كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان كفائيان على كل المكلفين، ولا يسقط هذا الوجوب إلاَّ إذا قام به الآخرون، قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون).
أهميتهما:
هما من أشرف الفرائض الدينية وأعظمها، ووجوبهما من ضروريات الدين، ومنكرهما مع الالتفات إلى لوازمهما خارج عن ملة المسلمين.
عن رسول الله (ص) (لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلَّط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء).
وورد عنه (ص) أيضاً: (إن الله عزَّ وجل ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له« فقيل وما المؤمن الضعيف الذي لا دين له؟ قال(ص): »الذي لا ينهى عن المنكر).
هذه الأهمية البالغة لهذه الفريضة إنما كانت لأن الإسلام شرع الأمر بالمعروف بهدف صيانة الاسلام وحراسة المجتمع الاسلامي من الضلال والانحراف، فعن طريقهما تتم عملية تبليغ الرسالة لمن يجهلها، وعن طريقهما تتم هداية الضال، وعن طريقهما يرشد الإنسان إلى فعل الخير، وتتم مكافحة الشر والفساد، وتنمو روح اليقظة والحذر في الأمة تجاه أي شاذ أو غريب عن رسالتها أو فكرها.
شروط وجوبهما:
تجب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مكلف إذا توفرت الشروط التالية:
1- العلم بالمعروف والمنكر:
فالجاهل الذي لا يعرف المعروف ولا المنكر لا يجب عليه الأمر والنهي، بل هو بحاجة إلى من يأمره وينهاه.
2- احتمال التأثير:
فلو علم المكلَّف بأن أمره أو نهيه لا يؤثران في الآخر لا يجب عليه الأمر ولا النهي.
3- أمن الضرر:
فلو علم المكلَّف بأن أمره أو نهيه سوف يجلب عليه الضرر على النفس أو المال لا يجب عليه الأمر ولا النهي.
4- الإصرار على المعصية:
فلو علم المكلف أن العاصي ترك المعصية ولن يعود إليها لا يجب عليه الأمر أو النهي.
مراتب الأمر والنهي:
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب ودرجات، لا يجوز الانتقال من مرتبة إلى أخرى مع حصول الغرض من المرتبة الدانية، وهذه المراتب على الشكل التالي:
1- الإنكار بالقلب:
ويتم ذلك من خلال إظهار الانزعاج القلبي من فعل المنكر وله أمثلة عديدة، كإظهار كراهية فعله بتغميض العينين وإعراض الوجه والعبوس، أو هجره وترك مودته والخروج من داره وما إلى ذلك.
2- الإنكار باللسان:
ويتم ذلك من خلال الكلمة الطيبة والقول اللين والوعظ والإرشاد وبيان الثواب والعقاب والخوف من الله، فإن لم ينزجر عن فعل المنكر يجوز الانتقال إلى غلظة القول والتشديد والتهديد والوعيد إذا كان ذلك نافعاً.
3- الإنكار باليد:
إذا علم المكلف أو اطمأن بأن المطلوب لا يحصل بالمرتبتين السابقتين يجوز الانتقال إلى هذه المرتبة مع التأكيد على أن يكون الضرب بهدف الإصلاح والتأديب وليس التشفي أو الانتقام، إضافة إلى وجوب الاقتصار على الضرب الخفيف الذي يحصل به الغرض وعدم وصول ذلك إلى درجة الجرح أو القتل لأنه من مختصَّات الإمام (ع) أو نائبه في عصر الغيبة.
ويكفي أن نعلم أنه قد تواتر وجوب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، حتى كان منه (معنى كلي استقرائي)، تراكمت جزئياته بشتى الروايات الصحيحة عن النبي صل الله عليه وسلم .
وذلك في مثل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان، إذ قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم)،
وأيضا ما رواه جرير بن عبد الله عنه صل الله عليه وسلم أنه قال: (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، ثم لم يغيروه؛ إلا عمهم الله تعالى بعقاب منه!)
وعن أبي بكر الصديق أنه صل الله عليه وسلم قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه!)
وقال صل الله عليه وسلم: (إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم: ينكرون المنكر!)
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يسأله ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال: يا رب رجوتك وفَرَقْتُ الناس)
وكذا حديث أبي سعيد الخدري أنه صل الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
ثم قوله صل الله عليه وسلم: (إذا عُمِلَت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدهها)،
وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيها نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض! والآخر أسودَ مُرْبَدا كالكوز مُجَخِّيا! لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه!
آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1- أن يكون الآمر بالمعروف كالطبيب الذي يعالج مريضاً.
2- أن يكون في إنكاره لطفاً ورحمة على العاصي خاصة والأمة عامة.
3- أن يجرّد الآمر نيته وقصده لله تعالى ولمرضاته.
4- أن لا يرى الآمر نفسه منزَّهة عن الشوائب فيتعالى على المذنب، فقد يكون للمذنب صفة نفسانية أحبه الله تعالى لها وإن أبغض عمله، ويكون الآمر أو الناهي بعكسه
اقرأ المزيد
الأربعاء، 7 مايو 2014
الصيام والصوم أسراره وفوائده والحكمة في تشريعه بالتفصيل وبالصوت والصورة
الصوم متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان؛ إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) روه أحمد و الترمذي و غيرهما و صححه الألباني .
وقد قال الله تعالى : (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر/10]، والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَذَرُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) جزء من الحديث السابق ، و اللفظ لأحمد.
وقال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ )) متفق عليه و اللفظ للبخاري .
وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه، قال صلى الله عليه وسلم : (( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ )) متفق عليه .
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ )) متفق عليه و اللفظ لمسلم .
وقال وكيع في قوله تعالى : (( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ )) [الحاقة/24]، هي أيام الصيام إذ تركوا فيها الأكل والشرب .
وقيل في قوله تعالى : (( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [السجدة/17]، قيل:كان عملهم الصيام؛ لأنه قال: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) [الزمر/10]، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً، فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان له، ومشرفا بالنسبة إليه، وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه، والأرض كلها له لمعنيين :
أحدهما: أن الصوم كف وترك، وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرّد.
والثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ )) متفق عليه و اللفظ للبخاري.
فلما كان الصوم على الخصوص قمعاً للشيطان، وسداً لمسالكه وتضييقاً لمجاريه؛ استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل، ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه، وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال الله تعالى: (( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) [محمد/7]، فالبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية من الله عز وجل، ولذلك قال تعالى : (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )) [العنكبوت/69]، وقال تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) [الرعد/11]، وإنما التغير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه .
فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة، وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة، ونبين ذلك بثلاثة فصول :
>
الفصل الأول
في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده
أما الواجبات الظاهرة فستة:
الأول: مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يوما من شعبان ونعني بالرؤية العلم ويحصل ذلك بقول عدل واحد. ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة.
الثاني : النية ومحلها القلب.
الثالث : الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم.
الرابع : الإمساك عن الجماع.
الخامس : الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا .
السادس : الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسد صومه.
وأما السنن: تأخير السحور، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة، والجود في شهر رمضان، ومدارسة القرآن والاعتكاف في المسجد لاسيما في العشر الأخير فهو عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ودأب وأدأب أهله؛ إذ فيها ليلة القدر، والأغلب أنها في أوتارها، وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع وكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان.
الفصل الثاني
في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيه
اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع.
أما في السنة : بعد أيام رمضان فيوم عرفة ويوم عاشوراء وهي أوقات فاضلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه في رمضان ، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُه أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ )) متفق عليه.
وفي الخبر : (( وأفضلُ الصِّيام بعد شَهْرِ رَمضانَ: صِيام شَهرِ الله المُحَرَّم )) رواه مسلم. لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته .
وفي الخبر: (( إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَن الصَّوْمِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ )) رواه أحمد. ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما .
وعند البخاري من حديث ابن عباس (( مَا مِنْ أيَّامٍ ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام )) يعني أيام العشر . قالوا : يَا رسولَ اللهِ ، وَلاَ الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ ؟ قَالَ : (( وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ )).
وأما ما يتكرر في الشهر: فأول الشهر، وأوسطه، وآخره. ووسطه الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وأما في الأسبوع: فالاثنين والخميس، فهذه هي الأيام الفاضلة فيستحب فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات.
درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها. وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم.
ومن ذلك منازلته صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول إني أطيق أكثر من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم (( فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ )) متفق عليه.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان .
ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه وهو أن يصوم ويفطر يومين وإذا صام ثلاثة من أول الشهر وثلاثة من الوسط وثلاثة من الآخر فهو ثلث وواقع في الأوقات الفاضلة .
وإن صام الاثنين والخميس فهو قريب من الثلث وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل.
والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضي حاله دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الفطر، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم.
وإذا فهم المعنى وتحقق حدُّه في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يُخَف عليه صلاح قلبه وذلك لا يوجب ترتيبا مستمراً، ولذلك روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم.
وفي البخاري من حديث أنس (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ )).
وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات، وقد كره العلماء أن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم العيد وأيام التشريق وذكروا أن ذلك يقسّي القلب، ويولِّد رديء العادات، ويفتح أبواب الشهوات. وهو كذلك في حق أكثر الخلق لاسيما من يأكل في اليوم والليل مرتين.
والحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، على جميع نعمه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرم
اقرأ المزيد
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)